حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثنا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : " مَرَجَ أَمْرُ أَهْلِ الإِنْجِيلِ وَعَظُمَتْ فِيهِمُ الْخَطَايَا وَطَغَتْ فِيهِمُ الْمُلُوكُ ، حَتَّى عَبَدُوا الأَصْنَامَ وَذَبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ ، وَفِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ بَقَايَا عَلَى أَمْرِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، مُتَمَسِّكُونَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ ، فَكَانَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ مُلُوكِهِمْ ، مَلِكٌ مِنَ الرُّومِ ، يُقَالُ لَهُ : دقيانوس ، كَانَ قَدْ عَبَدَ الأَصْنَامَ ، وَذَبَحَ لِلطَّوَاغِيتِ ، وَقَتَلَ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ أَقَامَ عَلَى دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . كَانَ يَنْزِلُ فِي قُرَى الرُّومِ ، فَلا يَتْرُكُ فِي قَرْيَةٍ يَنْزِلُهَا أَحَدًا مِمَّنْ يَدِينُ بِدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِلا قَتَلَهُ ، حَتَّى يَعْبُدَ الأَصْنَامَ ، وَيَذْبَحَ لِلطَّوَاغِيتِ ، حَتَّى نَزَلَ دقيانوس مَدِينَةَ الْفِتْيَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ، فَلَمَّا نَزَلَهَا دقيانوس كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ ، فَاسْتَخْفَوْا مِنْهُ وَهَرَبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ . وَكَانَ دقيانوس قَدْ أَمَرَ حِينَ قَدِمَهَا أَنْ يُتَّبَعَ أَهْلُ الإِيمَانِ فَيُجْمَعُوا لَهُ ، وَاتَّخَذَ شُرَطًا مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِهَا ، فَجَعَلُوا يَتَّبِعُونَ أَهْلَ الإِيمَانِ فِي أَمَاكِنِهِمُ الَّتِي يَسْتَخْفُونَ فِيهَا ، فَيَسْتَخْرِجُونَهُمْ إِلَى دقيانوس ، فَقَّدَمَهُمْ إِلَى الْمُجَامِعِ الَّتِي يُذْبَحُ فِيهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَيُخَيِّرُهُمْ بَيْنَ الْقَتْلِ وَبَيْنَ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَالذَّبْحِ لِلطَّوَاغِيتِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْغَبُ فِي الْحَيَاةِ وَيَفْظَعُ بِالْقَتْلِ فَيُفْتَتَنُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْبَى أَنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ فَيُقْتَلُ ؛ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الصَّلابَةِ مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ ، جَعَلُوا يُسَلِّمُونَ أَنْفُسَهُمْ لِلْعَذَابِ وَالْقَتْلِ ، فَيُقَتَّلُونَ وَيُقَطَّعُونَ ، ثُمَّ يُرْبَطُ مَا قُطِعَ مِنْ أَجْسَادِهِمْ ، فَيُعَلَّقُ عَلَى سُوَرِ الْمَدِينَةِ مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا ، وَعَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا ، حَتَّى عَظُمَتِ الْفِتْنَةُ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ فَتُرِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَلُبَ عَلَى دِينِهِ فَقُتِلَ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْفِتْيَةُ أَصْحَابُ الْكَهْفِ ، حَزِنُوا حُزْنًا شَدِيدًا ، حَتَّى تَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهُمْ ، وَنَحَلَتْ أَجْسَامُهُمْ ، وَاسْتَعَانُوا بِالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ ، وَالتَّحْمِيدِ ، وَالتَّسْبِيحِ ، وَالتَّهْلِيلِ ، وَالتَّكْبِيرِ ، وَالْبُكَاءِ ، وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ ، وَكَانُوا فِتْيَةً أَحْدَاثًا أَحْرَارًا مِنْ أَبْنَاءِ أَشْرَافِ الرُّومِ " .