فَحَدَّثَنَا فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثنا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : " لَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى بَعْضِهِمْ مِنْ حَدَاثَةِ أَسْنَانِهِمْ وَضَحُ الْوَرِقِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَكَانُوا كَذَلِكَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ لَيْلَهُمْ وَنَهَارَهُمْ يَبْكُونَ إِلَى اللَّهِ ، وَيَسْتَغِيثُونَهُ ، وَكَانُوا ثَمَانِيَةَ نَفَرٍ ، مَكْسِلْمِينَا ، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي كَلَّمَ الْمَلِكَ عَنْهُمْ ، وَمحسيميلنينا ، وَيَمْلِيخَا ، وَمرطوس ، وَكشوطونسُ ، وَبيرونس ، وَدينموس ، وَيطونس ، وَقَالُوسُ ، فَلَمَّا أَجْمَعَ دِقْيَانُوسُ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَ الْقَرْيَةِ لِعِبَادَةِ الأَصْنَامِ ، وَالذَّبْحِ لِلطَّوَاغِيتِ ، بَكَوْا إِلَى اللَّهِ وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ، لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِكَ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا سورة الكهف آية 14 . اكْشِفْ عَنْ عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْفِتْنَةَ وَادْفَعْ عَنْهُمُ الْبَلاءَ وَأَنْعِمْ عَلَى عِبَادِكَ الَّذِينَ آمَنُوا بِكَ ، وَمُنِعُوا عِبَادَتَكَ إِلا سِرًّا ، مُسْتَخْفِينَ بِذَلِكَ ، حَتَّى يعَبْدوكَ عَلانِيَةً . فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ عَرَفَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ، مِمَّنْ كَانَ يَجْمَعُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لِعِبَادَةِ الأَصْنَامِ ، وَالذَّبْحِ لِلطَّوَاغِيتِ ، وَذَكَرُوا أَمْرَهُمْ ، وَكَانُوا قَدْ خَلَوْا فِي مُصَلًّى لَهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ فِيهِ ، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ ، وَيَتَوَقَّعُونَ أَنْ يُذْكَرُوا لِدَقْيَنُوسَ ، فَانْطَلَقَ أُولَئِكَ الْكَفَرَةُ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِمْ مُصَلاهُمْ ، فَوَجَدُوهُمْ سُجُودًا عَلَى وُجُوهِهِمْ يَتَضَرَّعُونَ ، وَيَبْكُونَ ، وَيَرْغَبُونَ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُنَجِّيهِمْ مِنْ دِقْيَانُوسَ وَفِتْنَتِهِ ، فَلَمَّا رَآهُمْ أُولَئِكَ الْكَفَرَةُ مِنْ عُرَفَائِهِمْ قَالُوا لَهُمْ : مَا خَلَّفَكُمْ عَنْ أَمْرِ الْمَلِكِ ؟ انْطَلِقُوا إِلَيْهِ . ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِمْ ، فَرَفَعُوا أَمْرَهُمْ إِلَى دِقْيَانُوسَ ، وَقَالُوا : تَجْمَعُ النَّاسَ لِلذَّبْحِ لآلِهَتِكَ ، وَهَؤُلاءِ فِتْيَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ يَسْخَرُونَ مِنْكَ ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بِكَ ، وَيَعْصُونَ أَمْرَكَ ، وَيَتْرُكُونَ آلِهَتَكَ ، يَعْمِدُونَ إِلَى مُصَلًّى لَهُمْ وَلأَصْحَابِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يُصَلُّونَ فِيهِ ، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَى إِلَهِهِمْ وَإِلَهِ عِيسَى وَأَصْحَابِ عِيسَى ، فَلِمَ تَتْرُكُهُمْ يَصْنَعُونَ هَذَا وَهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ سُلْطَانِكَ وَمُلْكِكَ وَهُمْ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ : رَئِيسُهُمْ مَكْسِلمينا ، وَهُمْ أَبْنَاءُ عُظَمَاءِ الْمَدِينَةِ . فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِدِقْيَنُوسَ ، بَعَثَ إِلَيْهِمْ ، فَأَتَى بِهِمْ مِنَ الْمُصَلَّى الَّذِي كَانُوا فِيهِ تَفِيضُ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ مُعَفَّرَةً وُجُوهُهُمْ فِي التُّرَابِ ، فَقَالَ لَهُمْ : مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَشْهَدُوا الذَّبْحَ لآلِهَتِنَا الَّتِي تُعْبَدُ فِي الأَرْضِ ، وَأَنْ تَجْعَلُوا أَنْفُسَكُمْ أُسْوَةً لِسُرَاةِ أَهْلِ مَدِينَتِكُمْ ، وَلِمَنْ حَضَرَها مِنَ النَّاسِ ؟ اخْتَارُوا مِنِّي : إِمَّا أَنْ تَذْبَحُوا لآلِهَتِنَا كَمَا ذَبَحَ النَّاسُ ، وَإِمَّا أَنْ أَقْتُلَكُمْ . فَقَالَ مَكْسِلمينا : إِنَّ لَنَا إِلَهًا نَعْبُدُهُ مَلأَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ عَظَمَةً ، لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا أَبَدًا ، وَلَنْ نُقِرَّ بِهَذَا الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ أَبَدًا ، وَلَكِنَّا نَعْبُدُ اللَّهَ رَبَّنَا ، لَهُ الْحَمْدُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ مِنْ أَنْفُسِنَا خَالِصًا أَبَدًا ، إِيَّاهُ نَعْبُدُ ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلُ النَّجَاةَ وَالْخَيْرَ ، فَأَمَّا الطَّوَاغِيتُ وَعِبَادَتُهَا ، فَلَنْ نُقِرَّ بِهَا أَبَدًا ، وَلَسْنَا بِكَائِنِينَ عُبَّادًا لِلشَّيَاطِينِ ، وَلا جَاعِلِي أَنْفُسِنَا وَأَجْسَادِنَا عُبَّادًا لَهَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ لَهُ رَهْبَتَكَ أَوْ فَرَقًا مِنْ عُبُودَتِكَ ، اصْنَعْ بِنَا مَا بَدَا لَكَ ، ثُمَّ قَالَ أَصْحَابُ مَكْسِلمينا لِدِقْيَنُوسَ مِثْلَ مَا قَالَ . قَالَ : فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لَهُ ، أَمَرَ بِهِمْ فَنُزِعَ عَنْهُمْ لَبُوسٌ كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ لَبُوسِ عُظَمَائِهِمْ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَا إِذْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ فَإِنِّي سَأُؤَخِّرُكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِي وَبِطَانَتِي وَأَهْلِ بِلاطي ، وَسَأَفْرُغُ لَكُمْ ، فَأُنْجِزُ لَكُمْ مَا وَعَدْتُكُمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ ، وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أُعَجِّلَ ذَلِكَ لَكُمْ إِلا أَنِّي أَرَاكُمْ فِتْيَانًا حَدِيثَةً أَسْنَانُكُمْ ، وَلا أُحِبُّ أَنْ أُهْلِكَكُمْ حَتَّى أَسْتَأْنِيَ بِكُمْ ، وَأَنَا جَاعِلٌ لَكُمْ أَجَلا تَذَّكَّرونَ فِيهِ ، وَتُرَاجِعُونَ عُقُولَكُمْ . ثُمَّ أَمَرَ بِحِلْيَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ ، فَنُزِعَتْ منْهُمْ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَأُخْرِجُوا مِنْ عِنْدِهِ . وَانْطَلَقَ دِقْيَانُوسُ مَكَانَهُ إِلَى مَدِينَةٍ سِوَى مَدِينَتِهِمُ الَّتِي هُمْ بِهَا قَرِيبًا مِنْهَا لِبَعْضِ مَا يُرِيدُ مِنْ أَمْرِهِ . فَلَمَّا رَأَى الْفِتْيَةَ دِقْيَانُوسُ قَدْ خَرَجَ مِنْ مَدِينَتِهِمْ بَادَرُوا قُدُومَهُ ، وَخَافُوا إِذَا قَدِمَ مَدِينَتَهُمْ أَنْ يَذْكُرَ بِهِمْ ، فَأْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ رجلٍ مِنْهُمْ نَفَقَةً مِنْ بَيْتِ أَبِيهِ ، فَيَتَصَدَّقُوا مِنْهَا ، وَيَتَزَوَّدُوا بِمَا بَقِيَ ، ثُمَّ يَنْطَلِقُوا إِلَى كَهْفٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ : بنجلوس فَيَمْكُثُوا فِيهِ ، وَيَعْبُدُوا اللَّهَ حَتَّى إِذَا رَجَعَ دِقْيَانُوسُ أَتَوْهُ فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَيَصْنَعُ بِهِمْ مَا شَاءَ . فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ، عَمَدَ كُلُّ فَتًى مِنْهُمْ ، فَأَخَذَ مِنْ بَيْتِ أَبِيهِ نَفَقَةً ، فَتَصَدَّقُوا منها ، وَانْطَلَقُوا بِمَا بَقِيَ مَعَهُمْ مِنْ نَفَقَتِهِمْ ، وَاتَّبَعَهُمْ كَلْبٌ لَهُمْ ، حَتَّى أَتَوْا ذَلِكَ الْكَهْفَ الَّذِي فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ ، فَلَبِثُوا فِيهِ لَيْسَ لَهُمْ عَمَلٌ إِلا الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّحْمِيدُ ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْحَيَاةِ الَّتِي لا تَنْقَطِعُ ، وَجَعَلُوا نَفَقَتَهُمْ إِلَى فَتًى مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ يَمْلِيخَا ، فَكَانَ عَلَى طَعَامِهِمْ ، يَبْتَاعُ لَهُمْ أَرْزَاقَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ سِرًّا مِنْ أَهْلِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَجْمَلِهِمْ وَأَجْلَدِهِمْ ، فَكَانَ يَمْلِيخَا يَصْنَعُ ذَلِكَ ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَدِينَةَ يَضَعُ ثِيَابًا كَانَتْ عَلَيْهِ حِسَانًا ، وَيَأْخُذُ ثِيَابًا كَثِيَابِ الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ يَسْتَطْعِمُونَ فِيهَا ، ثُمَّ يَأْخُذُ وَرِقَهُ ، فَيَنْطَلِقُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَشْتَرِي لَهُمْ طَعَامًا وَشَرَابًا ، وَيَتَسَمَّعُ وَيَتَجَسَّسُ لَهُمُ الْخَبَرَ ، هَلْ ذُكِرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِشَيْءٍ فِي بَلَاطِ الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَصْحَابِهِ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ ، وَيُخْبِرُهُمْ بِمَا سَمِعَ مِنَ أَخْبَارِ النَّاسِ ، فَلَبِثُوا كَذَلِكَ مَا لَبِثُوا . ثُمَّ قَدِمَ دِقْيَانُوسُ الْجَبَّارُ الْمَدِينَةَ الَّتِي مِنْهَا خَرَجَ إِلَى مَدِينَتِهِ ، وَهِيَ مَدِينَةُ أُفُسْوسَ ، فَأَمَرَ عُظَمَاءَ أَهْلِهَا ، فَذَبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ ، فَفَزِعَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الإِيمَانِ ، فَتَخَبَّئُوا مِنْ كُلِّ مَخْبَأٍ ، وَكَانَ يَمْلِيخَا بِالْمَدِينَةِ يَشْتَرِي لأَصْحَابِهِ طَعَامَهُمْ وَشَرَابَهُمْ بِبَعْضِ نَفَقَتِهِمْ ، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَهُوَ يَبْكِي وَمَعَهُ طَعَامٌ قَلِيلٌ ، فَأَخْبَرْهُمْ أَنَّ الْجَبَّارَ دِقْيَانُوسَ قَدْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ ، وَأَنَّهُمْ قَدْ ذُكِرُوا وَافْتُقِدُوا وَالْتُمِسُوا مَعَ عُظَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيَذْبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ ، فَزِعُوا فَزَعًا شَدِيدًا ، وَوَقَعُوا سُجُودًا عَلَى وُجُوهِهِمْ يَدْعُونَ اللَّهَ ، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ ، وَيَتَعَوَّذُونَ بِهِ مِنَ الْفِتْنَةِ ، ثُمَّ إِنَّ يَمْلِيخَا قَالَ لَهُمْ : يَا إِخْوَتَاهْ ، ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ ، فَاطْعَمُوا مِنْ هَذَا الطَّعَامِ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى رَبِّكُمْ ، فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ، وَأَعْيُنَهُمْ تُفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَذَرًا وَتَخَوُّفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، فَطَعِمُوا مِنْهُ ، وَذَلِكَ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وَيَتَدَارَسُونَ ، وَيَذْكُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى حُزْنٍ مِنْهُمْ ، مُشْفِقِينَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ صَاحِبُهُمْ مِنَ الْخَبَرِ ، فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ ، إِذْ ضَرَبَ اللَّهُ عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ ، وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِبَابِ الْكَهْفِ ، فَأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ مُوقِنُونَ ، مُصَدِّقُونَ بِالْوَعْدِ ، وَنَفَقَتُهُمْ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَهُمْ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ فَقَدَهُمْ دِقْيَانُوسُ ، فَالْتَمَسَهُمْ فَلَمْ يَجِدْهُمْ ، فَقَالَ لِعُظَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : لَقَدْ سَاءَنِي شَأْنُ هَؤُلاءِ الْفِتْيَةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا . لَقَدْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ بِيَ غَضَبًا عَلَيْهِمْ فِيمَا صَنَعُوا فِي أَوَّلِ شَأْنِهِمْ ، لِجَهْلِهِمْ مَا جَهِلُوا مِنْ أَمْرِي ، مَا كُنْتُ لأَحْمِلَ عَلَيْهِمْ فِي نَفْسِي ، وَلا أُؤَاخِذَ أَحَدًا مِنْهُمْ بِشَيْءٍ إِنْ هُمْ تَابُوا وَعَبَدُوا آلِهَتِي ، وَلَوْ فَعَلُوا لَتَرَكْتُهُمْ ، وَمَا عَاقَبْتُهُمْ بِشَيْءٍ سَلَفَ مِنْهُمْ . فَقَالَ لَهُ عُظَمَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : مَا أَنْتَ بِحَقِيقٍ أَنْ تَرْحَمَ قَوْمًا فَجَرَةً مَرَدَةً عُصَاةً ، مُقِيمِينَ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَمْعِصَيِتِهِمْ ، وَقَدْ كُنْتُ أَجَّلْتُهُمْ أَجَلا ، وَأَخَّرْتُهُمْ عَنِ الْعُقُوبَةِ الَّتِي أَصَبْتُ بِهَا غَيْرَهُمْ ، وَلَوْ شَاءُوا لَرَجَعُوا فِي ذَلِكَ الأَجَلِ ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتُوبُوا وَلَمْ يَنْزِعُوا وَلَمْ يَنْدَمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا ، وَكَانُوا مُنْذُ انْطَلَقْتَ يُبَذِّرُونَ أَمْوَالَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ، فَلَمَّا عَلِمُوا بِقُدُومِكَ فَرُّوا فَلَمْ يُرَوْا بَعْدُ . فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تُؤْتَى بِهِمْ ، فَأَرْسِلْ إِلَى آبَائِهِمْ فَامْتَحِنْهُمْ ، وَاشْدُدْ عَلَيْهِمْ يُدِلُّوكَ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّهُمْ مُخْتَبِئُونَ مِنْكَ . فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِدِقْيَنُوسَ الْجَبَّارِ ، غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى آبَائِهِمْ ، فَأَتَى بِهِمْ فَسَأَلَهُمْ عَنْهُمْ وَقَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ أَبْنَائِكُمُ الْمَرَدَةَ الَّذِينَ عَصَوْا أَمْرِي ، وَتَرَكُوا آلِهَتِي ، ائْتُونِي بِهِمْ ، وَأَنْبِئُونِي بِمَكَانِهِمْ . فَقَالَ لَهُ آبَاؤُهُمْ : أَمَّا نَحْنُ فَلَمْ نَعْصِ أَمْرَكَ وَلَمْ نُخَالِفْكَ . قَدْ عَبْدَنَا آلِهَتَكَ وَذَبَحْنَا لَهُمْ ، فَلِمَ تَقْتُلُنَا فِي قَوْمٍ مَرَدَةٍ ، قَدْ ذَهَبُوا بِأَمْوَالِنَا فَبَذَّرُوهَا وَأَهْلَكُوهَا فِي أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ انْطَلَقُوا ، فَارْتَقُوا فِي جَبَلٍ يُدْعَى بِنجلوسُ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْضٌ بَعِيدَةٌ هَرَبًا مِنْكَ ؟ ! فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ خَلَّى سَبِيلَهُمْ ، وَجَعَلَ يَأْتَمِرُ مَاذَا يَصْنَعُ بِالْفِتْيَةِ ، فَأَلْقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْكَهْفِ فَيُسَدَّ عَلَيْهِمْ كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ ، أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَهُمْ ، وَيُكْرِمَ أَجْسَادَ الْفِتْيَةِ ، فَلا يَجُولُ ، وَلا يَطُوفُ بِهَا شَيْءٌ ، وَأَرَادَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ وَيَجْعَلَهُمْ آيَةً لأُمَّةٍ تُسْتَخْلَفُ مِنْ بَعْدِهِمْ ، وَأَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ . فَأَمَرَ دِقْيَانُوسُ بِالْكَهْفِ أَنْ يَسُدَّ عَلَيْهِمْ ، وَقَالَ : دَعُوا هَؤُلاءِ الْفِتْيَةَ الْمَرَدَةَ الَّذِينَ تَرَكُوا آلِهَتِي فَلْيَمُوتُوا كَمَا هُمْ فِي الْكَهْفِ عَطَشًا وَجُوعًا ، وَلْيَكُنْ كَهْفُهُمُ الَّذِي اخْتَارُوا لأَنْفُسِهِمْ قَبْرًا لَهُمْ ، فَفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ عَدُوُّ اللَّهِ ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ أَيقَاظٌ يَعْلَمُونَ مَا يُصْنَعُ بِهِمْ ، وَقَدْ تَوفَّى اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ وَفَاةَ النَّوْمِ ، وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِبَابِ الْكَهْفِ ، قَدْ غَشَّاهُ اللَّهُ مَا غَشَّاهُمْ ، يُقَلَّبُونَ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ . ثُمَّ إِنَّ رَجُلَيْنِ مُؤْمِنِينَ كَانَا فِي بَيْتِ الْمَلِكِ دِقْيَانُوسَ يَكْتُمَانِ إِيمَانَهُمَا : اسْمُ أَحَدِهِمَا يندروسُ ، وَاسْمُ الآخَرِ : روناسُ ، فَأْتَمَرَا أَنْ يَكْتَبَا شَأْنَ الْفِتْيَةِ أَصْحَابَ الْكَهْفِ ؛ أَنْسَابَهُمْ وَأَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ ، وَقِصَّةَ خَبَرِهِمْ فِي لَوْحَيْنِ مِنْ رَصَاصٍ ، ثُمَّ يَصْنَعَا لَهُ تَابُوتًا مِنْ نُحَاسٍ ، ثُمَّ يَجْعَلا اللَّوْحَيْنِ فِيهِ ، ثُمَّ يَكْتُبَا عَلَيْهِ فِي فَمِ الْكَهْفِ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْبُنْيَانِ ، وَيَخْتِمَا عَلَى التَّابُوتِ بِخَاتَمِهِمَا ، وَقَالا : لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُظْهِرَ عَلَى هَؤُلاءِ الْفِتْيَةِ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَيَعْلَمُ مَنْ فَتَحَ عَلَيْهِمْ حِينَ يَقْرَأُ هَذَا الْكِتَابَ خَبَرَهُمْ ، فَفَعَلا ثُمَّ بَنَيَا عَلَيْهِ فِي الْبُنْيَانِ ، فَبَقِيَ دِقْيَانُوسُ وَقَرْنَهُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْقُوا ، ثُمَّ هَلَكَ دِقْيَانُوسُ وَالْقَرْنُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ ، وَقُرُونٌ بَعْدَهُ كَثِيرَةٌ ، وَخَلَفَتِ الْخُلُوفُ بَعْدَ الْخُلُوفِ " .
| الأسم | الشهرة | الرتبة |
| ابْنُ عَبَّاسٍ | عبد الله بن العباس القرشي / توفي في :68 | صحابي |