حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْبَصْرِيُّ ، نَا هُوذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ الْفَضْلُ بْنُ عِيسَى : " أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الدَّارَ الَّتِي أَصْبَحْنَا فِيهَا دَارٌ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ وَبِالْفَنَاءِ مَوْصُوفَةٌ ، كُلُّ مَا فِيهَا إِلَى زَوَالٍ ، بَيْنَمَا أَهْلُهَا فِيهَا فِي رَخَاءٍ وَسُرُورٍ ؛ إِذْ صَيَّرَتْهُمْ فِي وَعْثَاءٍ وَوَغَرُ الْعَيْشِ فِيهَا مَذْمُومٌ ، وَالسُّرُورُ فِيهَا لَا يَدُومُ ؛ فَكَيْفَ يَدُومُ عَيْشٌ تُغَيِّرُهُ الْآفَاتُ ، وَتَنُوبُهُ الْفَجِيعَاتُ ، وَتَسُوقُ أَهْلُهُ إِلَى الْمَنَايَا ؟ إِنَّمَا هُوَ فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ ، وَالْحُتُوفُ لَهُمْ مُسْتَشْرَفَةٌ ، تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا ، وَتَغْشَاهُمْ بِحِمَامِهَا ، لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْوُرُودِ لِلْقِيَامَةِ وَالْوُقُوفِ عَلَى مَا قَدْ عَمِلُوا ؛ فَلَيْسَ مِنْهُ مَذْهَبٌ ، وَلَا عَنْهُ مَهْرَبٌ ؛ فَاجْتَنِبْ دَارًا يَقْلُصُ ظِلُّهَا وَيَفْنَى أَهْلُهَا ، قَدْ أَضْحَتْ مِنْهُمُ الدِّيَارُ قِفَارًا فَقَدِ انْهَارَتْ دَعَائِمُهَا ، وَتَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهَا ، وَاسْتُبْدِلُوا بِهَا الْقُبُورَ الْمُوحِشَةَ الَّتِي اسْتُبِطِنَتْ بِالْخَرَابِ وَأُسِسَتْ بِالتُّرَابِ ، فَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ ، وَمُحِلُّهَا مُقْتَرِبٌ بَيْنَ أَهْلٍ مُوحِشِينَ وَذَوِي مَحَلَّةٍ مُتَشَاسِعِينَ ، لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْعُمْرَانِ ، وَلَا يَتَوَاصَلُونَ بِتَوَاصُلِ الْجِيرَانِ ، قَدِ اقْتَرَنُوا فِي الْمَنَازِلِ ، وَتَشَاغَلُوا عَنِ التَّوَاصُلِ ؛ فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُمْ جِيرَانَ مَحِلَّةٍ ، لَا يَتَزَاوَرُونَ عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِوَارِ وَتَقَارُبِ الدِّيَارِ ، وَأَنِّي بِذَلِكَ مِنْهُمْ وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبَلَاءُ ، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى ، وَصَارُوا بَعْدَ الْحَيَاةِ رُفَاتًا ، قَدْ فُجِعَ بِهُمُ الْأَحْبَابُ ، وَارْتَهَنُوا فَلَيْسَ لَهُمْ إِيَابٌ ، وَكَأَنَّ قَدْ صِرْنَا إِلَى مَا إِلَيْهِ صَارُوا ، فَنَرِثُهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَضْجَعِ ، وَيَضُمُّنَا ذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ ، نُؤْخَذُ بِالْقَهْرِ وَالِاعْتِسَارِ ، وَلَيْسَ يَنْفَعُ مِنْهُ شَفَقُ الْحِذَارِ ، نَنْتَظِرُ الْفَزَعَ الْأَكْبَرَ وَالْوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ " .
| الأسم | الشهرة | الرتبة |