حَدَّثَنَا أَبِي , وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ ، قَالا : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الأَنْطَاكِيَّ ، يَقُولُ : " إِنَّهُ مَنْ عَرَفَ الْمَعْبُودَ بِخَالِصِ التَّوْحِيدِ ، وَعَظِيمِ الْقُدْرَةِ ، وَالسُّلْطَانِ ، وَالْمُلْكِ ، وَالْجَبَرُوتِ ، وَالْعَدْلِ ، وَتَظَاهُرِ النِّعَمِ ، وَجَمِيلِ الْعَفْوِ ، وَالإِحْسَانِ ، وَكَرَمِ الصَّفْحِ ، وَالتَّجَاوُزِ ، وَالْمَنِّ وَالْعَطَاءِ ، وَجَمِيلِ أَفْعَالِهِ فعَبَدَهُ دُونَ الْمَخْلُوقِينَ وَقَنَعَ بِكِفَايَتِهِ وَرَضِيَ مِنْ عَظِيمِ عِقَابِهِ وَأَلِيمِ عَذَابِهِ إِمَّا بِسَبِيلِ رَجَاءٍ لِعَظِيمِ ثَوَابِهِ وَجَزِيلِ جَزَائِهِ ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ شُكْرِ مُكَافَأَةٍ لِنِعَمِ جَنَابِهِ وَكَرِيمِ مَآبِهِ ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ مَحَبَّةٍ , وَشَوْقٍ إِلَيْهِ لِحُسْنِ أَيَادِيهِ وَجَمِيلِ إِحْسَانِهِ لِتَوَاتُرِ نَعْمَائِهِ وَعَظِيمِ عَطَائِهِ ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ حُبٍّ مِنْ جَمِيلِ سَتْرِهِ ، وَكَرِيمِ صَفْحِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ مَنْ يَمْلِكُ الضُّرَّ وَالنَّفْعَ وَالْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ وَالنُّشُورَ بِأَنْ تَخْرُجَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَإِخْلاصُ تَوْحِيدِهِ مِنْ صِحَّةِ التَّرْكِيبِ وَحُجَّةِ الْمَعْقُودِ وَفَضِيلَةِ الإِلْهَامِ فِي الْمَلَكُوتِ وَدِلالَةِ الْعِلْمِ ، وَمُسَاعَدَةِ التَّوْفِيقِ ، وَعِنَايَةِ الْعَبْدِ بِنَفْسِهِ ، وَالتَّدْبِيرِ لِلاخْتِبَارِ ، وَالْفِكْرِ فِي الاعْتِبَارِ وَطَنِ الأَذْكَارِ ، وَغَائِصِ الْفَهْمِ ، وَنَفَاذُ مَعْرِفَةِ الإِلْهَامِ فِي الْمَلَكُوتِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ ، قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ سورة الأعراف آية 185 فَفِيمَا ذَكَرْنَا آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ مِنَ الْعُقَلاءِ ، فَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى أُولِي الأَلْبَابِ لِلتَّدْبِيرِ وَالاعْتِبَارِ بِمَا ظَهَرَ مِنْ شَوَاهِدِ آثَارِ قُدْرَتِهِ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ ، وَخَالِصِ تَوْحِيدِهِ وَلُطْفِ صُنْعِهِ بِأَنَّهُ بَارِئُ الْبَرَايَا ، وَأَمَّا مَا نُدِبَ إِلَيْهِ مِنَ الْفِكْرِ ، مِنْ بَعْدِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ سورة الذاريات آية 20 , قَالَ : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ سورة الذاريات آية 21 فَالأَحْوَالُ ثَلاثَةٌ : حَالَةٌ مَحْمُودَةٌ ، وَحَالَتَانِ مَذْمُومَتَانِ : الْحَالَةُ الْمَحْمُودَةُ مَا دَخَلَ إِلَيْهِ اللُّطْفُ وَدَلَّكَ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالْعِلْمُ ، وَالْحَالَتَانِ المَذْمُومَتَانِ : الْغَفْلَةُ وَالأَمْنُ ، وَالحَوَاسُّ خَمْسٌ وَسَادِسُهَا الْمَلِكُ وَهُوَ الْقَلْبُ ، فَالحَوَاسُّ الْمُؤَدِّيَةُ لِلأَخْبَارِ فَعَلَى قَدْرِ مَا أَدَّتِ الحَوَاسُّ مِنَ الأَخْبَارِ يَكُونُ تَدْبِيرُ الْمَلِكِ ، وَمَنْ خَافَ ضَرَرَ أَحْوَالِ الْغَفْلَةِ مِنْ قَلْبِهِ أَكْثَرَ التَّفَقُّدَ مِنْ قَلْبِهِ ، وَمَنْ عَرَضَ أَحْوَالَهُ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ تَكْذِبْهُ صِحَّةُ النَّظَرِ ، وَمَنْ قَدَّمَ النَّظَرَ أَمَامَ الْبَصَرِ أَفَادَهُ النَّظَرُ بَصَرًا ، قُلْتُ : وَمَا مَعْنَى النَّظَرِ ؟ قَالَ : تَدَبُّرُ الْخَيْرِ إِذَا وَرَدَ ، وَمَعْرِفَتُهُ إِذَا صَدَرَ ، قُلْتُ : فَإِذَا أَفَادَهُ النَّظَرُ بَصَرًا يَكُونُ مَاذَا ؟ قَالَ : يُصْبِحُ بِالنَّظَرِ بَصِيرًا فَيُوضِّحُ لَهُ الْبَصَرُ الْيَقِينَ بمَحْمُودِ الْعَوَاقِبِ فَيَحْتَمِلُ لِذَلِكَ مُؤْنَةَ الْعَمَلِ قَبْلَ ابْتِغَاءِ الثَّوَابِ ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُوقِفَ نَفْسَهُ عَلَى مَا يُؤَمِّلُ وَيَسْتَجِرَّهَا فِي يَوْمِهَا وَيُبَصِّرُهَا مَا يَرْتَجِيهِ فِي غَدِهِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُلْقِي إِلَيْهِ نَفْسُهُ مَعَاذِيرَ الْعَجْزِ عِنْدَمَا صَدَقَهَا الْعَبْدُ ، فَالْحَلِيمُ لا يُخْدَعُ ، وَالْعَاقِلُ لا يَغُشُّ نَفْسَهُ ، وَمَنْ فَكَّرَ أُلْهِمَ ، وَمَنْ أُلْهِمَ اسْتَحْكَمَ الأُمُورَ وَالْعَقْلَ ، وَفِي الْعِنَايَةِ هَمٌّ ، وَفِي الْفَرَحِ تَحْصِيلُ الأَعْمَالِ وَسُرُورُ الأَبْرَارِ ، وَلِكُلِّ شَرٍّ مَظَانٌّ يَعْقُبُ فِيهِ السُّرُورُ عِنْدَهُ أَوِ الْهُمُومُ ، بِإِغْفَالِ الْحَذَرِ تُصَابُ الْمَقَاتِلُ ، وَمَنْ أَمْكَنَ عَدُوَّهُ بِسِلاحِ نَفْسِهِ قُتِلَ ، فَفُطِرَتِ النُّفُوسُ عَلَى قَبُولِ الْحَقِّ فَعَارَضَهَا الْهَوَى فَاسْتَمَالَهَا فَآثَرَتِ الْحَقَّ بِالدَّعْوى وَآثَرَتِ أَعْمَالَهَا بِالْهَوَى ، لا يُسْتَحَقُّ الْمَأْمُولُ بِالشَّكِّ ، وَإِنَّمَا يُوصِلُ إِلَى فَهْمِ الْمَعْرِفَةِ أَجْنَاسُهَا ، كَمَا يَصِلُ التَّاجِرُ إِلَى أَرْبَاحِ الثِّيَابِ بِمَعْرِفَةِ أَصْنَافِهَا ، وَبِقُوَّةِ الْعَزْمِ يُقْهَرُ الْهَوَى ، وَلا يَصِلُ إِلَى الشَّيْءِ بِضَدِّهِ , وَلا يَكُونُ مَنْ تَرَكَ الشَّيْءَ أَخَذَهُ عَلَى قَدْرِ الْيَقِينِ يَتَعَطَّلُ وَيَضْمَحِلُّ الشَّكُّ ، وَبِأَدْنَى الشَّكِّ يَضْمَحِلُّ الْيَقِينُ ، وَاسْتَقَرَّ مَنَارُ الْهُدَى بِالأَنْبِيَاءِ ، وَقَامَتْ حِجَجُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأُوِلِي الْعُقُولِ ، فَآخِذٌ بِحَظِّهِ وَمُضَيِّعٌ لِنَفْسِهِ ، فَلا حَمْدَ لآخِذٍ وَلا عُذْرَ لِتَارِكٍ ، فَحُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَأَنْبِيَائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ كِتَابُهُ " .