حدثني أبو عبد اللَّه مُحَمَّد بْن فتوح الأندلسي ، قَالَ : " كتب بعض الأدباء إلى بعض إخوانه يشاوره في قصد بعض الرؤساء تأميلا له واستدعاءا لنائله ، وكان معروفا بالبخل ، فكتب إليه : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، كتبت إلي تسألني عن فلان ، وذكرت أنك هممت بزيارته ، وحدثتك نفسك بالقدوم عليه ، فلا تفعل أمتع اللَّه بك ! فإن حسن الظن به لا يقع إلا بخذلان من اللَّه ، وإن الطمع فيما عنده لا يخطر على القلوب إلا من سوء التوكل على اللَّه ، والرجاء لما في يديه لا ينبغي إلا بعد اليأس من روح اللَّه ، لأنه رجل يرى التقتير الذي نهى اللَّه عنه هو التبذير الذي يعاقب عليه ، وأن الاقتصاد الذي أمر اللَّه به هو الإسراف الذي يعذب عليه ، وإن بني إسرائيل لم يستبدلوا العدس بالمن ، والبصل بالسلوى ، إلا لفضل أحلامهم وقديم علم توارثوه عن آبائهم ، وأن الضيافة مدفوعة ، والهبة مكروهة ، وأن الصدقة منسوخة ، وأن التوسع ضلالة ، والجود فسق ، والسخاء من همزات الشياطين ، كأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية الأولى التي قطع اللَّه أخبارها ونهى عن اتباع آثارها ، وكأن الرجفة لم تأخذ أهل مدين إلا لسخاء كان فيهم ، ولا أهلكت الريح العقيم عادا إلا بجود أفضال كان معهم ، وهل يخشى العقاب إلا على الإنفاق ويرجو العفو إلا على الإمساك ، ويعد نفسه بالفقر ويأمرها بالبخل خيفة أن تنزل به قوارع الظالمين ويصيبه ما أصاب الأولين ، فأقم رحمك اللَّه بمكانك ، واصبر على عض زمانك ، وامض على عسرتك عسى اللَّه أن يبدل لك خيرا منه زكاة وأقرب رحما " .