الحديث الاول


تفسير

رقم الحديث : 996

وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : " إيَّاكُمْ وَالنَّذْرَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُنْعِمُ نِعْمَةً عَلَى الرَّشَا ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ " . الثَّانِيَةُ : النَّذْرُ بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ ضَمَّ النُّونِ ، أَيْضًا وَهُوَ غَرِيبٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ خَلَلِ النُّسْخَةِ ، قَالَ : وَهُوَ مَا يَنْذِرُ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ ، أَيْ : يُوجِبُهُ وَيُلْزِمُهُ مِنْ طَاعَةٍ لِسَبَبٍ يُوجِبُهُ لا تَبَرُّعًا ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : يُقَالُ : نَذَرْتُ أَنْذِرُ وَأَنْذِرُ نَذْرًا إذَا أَوْجَبْتَ عَلَى نَفْسِك تَبَرُّعًا مِنْ عِبَادَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . انْتَهَى . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ النَّذْرَ لُغَةً الْوَعْدُ بِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، وَشَرْعًا الْوَعْدُ بِخَيْرٍ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا : لا يَخْفَى أَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامُ شَيْءٍ ، وَأَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ , وَقَدْ لا يَصِحُّ . الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : " لا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ " ، بِنَصْبِ ابْنِ آدَمَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ وَرَفْعِ النَّذْرِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ , وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّذْرَ لا يَأْتِي بِشَيْءٍ غَيْرِ مُقَدَّرٍ ، فَإِنَّهُ لا يَقَعُ إلا مَا قُدِّرَ فَلا يَظُنُّ النَّاذِرُ الَّذِي يُعَلِّقُ طَاعَةً عَلَى حُصُولِ غَرَضٍ لَهُ ، كَقَوْلِهِ : إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضَتِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا , وَكَذَا ، أَنَّ النَّذْرَ هُوَ الَّذِي حَصَّلَ شِفَاءَ مَرِيضِهِ , بَلْ إنْ قُدِّرَ الشِّفَاءُ فَلا بُدَّ مِنْ حُصُولِهِ سَوَاءٌ نَذَرَ أَمْ لَمْ يَنْذِرْ , وَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ فَلا يَحْصُلُ نَذَرَ أَمْ لَمْ يَنْذِرْ , وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ جَدْوَى النَّذْرِ ، وَالْقَصْدُ مِنْهُ : دَفْعُ تَوَهُّمِ جَاهِلٍ يَظُنُّ خِلافَ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : وَلَكِنْ يُلْفِيهِ النَّذْرُ قَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ ، كَذَا ضَبَطْنَاهُ عَنْ شَيْخِنَا وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيْرِهِ بِالْفَاءِ مِنْ أَلْفَاهُ ، بِمَعْنَى وَجَدَهُ وَلَقِيَهُ ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ النَّذْرَ لا يَأْتِي بِغَيْرِ الْمُقَدَّرِ ، فَأَكَّدَهُ بِأَنَّ النَّذْرَ يَجِدُ ذَلِكَ الأَمْرَ مُقَدَّرًا ، فَيَقَعُ عَلَى وَفْقِ التَّقْدِيرِ لا لِأَجْلِ النَّذْرِ ، وَالْمُرَادُ إنْ كَانَ ذَلِكَ الأَمْرُ يَقَعُ فَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ ، وَهِيَ حُصُولُ الْمَطْلُوبِ ، وَضَبَطْنَاهُ فِي أَصْلِنَا مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ الْقَدَرُ بِالْقَافِ فِي قَوْلِهِ : يُلْقِيهِ ، وَالْقَدَرُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ , وَمَعْنَاهُ إنْ صَحَّ أَنَّ الْقَدَرَ هُوَ الَّذِي يُلْقِي ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ , وَيُوجِدُهُ لا النَّذْرُ ، فَإِنَّهُ لا مَدْخَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَيُوَافِقُهُ فِي اللَّفْظِ ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الضَّبْطِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الأَعْرَجِ . وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إلَى الْقَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ , وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّذْرَ لا يَصْنَعُ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا يُلْقِيهِ إلَى الْقَدَرِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ قُدِّرَ وَقَعَ وَإِلا فَلا ، وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُولَى بِمَا يُوَافِقُ مَا قَدَّرْتُهُ فِي مَعْنَى الثَّانِيَةِ ، فَقَالَ : بَابُ إلْقَاءِ الْعَبْدِ النَّذْرَ إلَى الْقَدَرِ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ضَبْطِ يُلْقِيهِ بِالْقَافِ ، وَلَكِنْ لا تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ التَّبْوِيبِ لِلْحَدِيثِ ، إلا أَنْ يَكُونَ بِنَصْبِ الْقَدَرِ ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى ، أَيْ : وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ الْقَدَرَ ، أَيْ : إلَى الْقَدَرِ ، فَحَذَفَ حَرْفَ الْجَرِّ وَنَصَبَ مَا بَعْدَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّوَسُّعِ , وَهَذَا مَسْمُوعٌ فِي أَلْفَاظٍ مُقْتَصَرٌ فِيهِ عَلَى الْمَسْمُوعِ , وَلَعَلَّ هَذَا مِنْهُ ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِلْكَلامِ عَلَيْهِ , وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُ : " يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ " ، قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ لا يَأْتِي بِهَذِهِ الْقُرْبَةِ تَطَوُّعًا ، مَحْضًا مُبْتَدِئًا ، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهَا فِي مُقَابَلَةِ شِفَاءِ الْمَرِيضِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُعَلِّقُ النَّذْرَ عَلَيْهِ . انْتَهَى . وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ هُنَا النُّذُورُ الْمَالِيَّةُ لِأَنَّ الْبُخْلَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي الْبُخْلِ بِالْمَالِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ : " الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ " , وَكَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " أَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلامِ " . انْتَهَى . وَقَوْلُهُ : " يُؤْتِينِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ آتَانِي مِنْ قَبْلُ " . مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَبْدَ يُؤْتِي اللَّهَ تَعَالَى عَلَى تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ ، مَا لَمْ يَكُنْ أَتَاهُ مِنْ قَبْلِ تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ ، فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى ذَمِّ ذَلِكَ ، وَإِنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَأْتِيَ بِتِلْكَ الْقُرْبَةِ ، سَوَاءٌ حَصَلَ مَطْلُوبُهُ أَمْ لا فَهَذِهِ هِيَ الْعِبَادَةُ الْخَالِصَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الرَّابِعَةُ : هَذَا الْحَدِيثُ فِي أَصْلِنَا وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَنْقُولٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةٍ لَهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ لِقَوْلِهِ : " قَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ " ، وَقَوْلُهُ : " يُؤْتِينِي عَلَيْهِ " ، وَلِهَذَا كَانَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : لَعَلَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ فَهِيَ وَاضِحَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إسْنَادُ ضَمِيرٍ إلَى اللَّهِ تَعَالَى . الْخَامِسَةُ : فِيهِ إشَارَةٌ إلَى ذَمِّ النَّذْرِ ، وَأَنَّهُ لا مَنْفَعَةَ لَهُ ، وَأَنَّهُ لا يَصْدُرُ إلا مِنْ بِخَيْلٍ لا يُعْطِي الشَّيْءَ تَبَرُّعًا , وَإِنَّمَا يُعْطِي شَيْئًا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ، مِنْ طَرِيقِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ ، لَكِنْ سِيَاقُهُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي نَذْرِ الْمُجَازَاةِ ، وَهُوَ أَنْ يَلْتَزِمَ قُرْبَةً فِي مُقَابَلَةِ حُدُوثِ نِعْمَةٍ أَوِ انْدِفَاعِ بَلِيَّةٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي فِيهِ الأَوْصَافُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلذَّمِّ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ ، أَمَّا النَّذْرُ الْمُلْتَزَمُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ عَلَى شَيْءٍ ، كَقَوْلِهِ : " لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ أَوْ أُعْتِقَ " ، فَلَيْسَ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى وَلا يَقْتَضِي الْحَدِيثُ ذَمَّهُ ، وَلا النَّهْيَ عَنْهُ ، عَلَى أَنَّ أَصْحَابَنَا يَرَوْنَ أَنَّ الأَوَّلَ وَهُوَ نَذْرُ الْمُجَازَاةِ آكَدُ مِنَ الثَّانِي ، فَإِنَّهُمْ يَجْزِمُونَ بِصِحَّةِ الأَوَّلِ وَلُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ ، وَلَهُمْ فِي لُزُومِ الْوَفَاءِ بِالثَّانِي خِلافٌ , وَإِنْ كَانَ الأَصَحُّ عِنْدَهُمْ لُزُومُ الْوَفَاءِ بِهِ أَيْضًا , وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ هَذَا الْقِسْمَ الثَّانِيَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ ، وَتَقْدِيرُهُ : أَنَّ الْبَخِيلَ لا يَأْتِي بِالطَّاعَةِ إلا إذَا اتَّصَفَتْ بِالْوُجُوبِ ، فَيَكُونُ النَّذْرُ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ لَهُ فِعْلَ الطَّاعَةِ لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْوُجُوبُ لَمْ يَأْتِ بِهِ فَيَكُونُ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ مِمَّا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ , وَقَدْ أَشَارَ إلَى مَا ذَكَرْتُهُ أَوَّلا وَآخِرًا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْقُشَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ : " وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ " ، دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ . السَّادِسَةُ : ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ النَّذْرِ " ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِأَصْحَابِنَا مَنْقُولا يُوَافِقُهُ ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ فِي ذَلِكَ عَلَى نَقْلٍ , وَجَزَمَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِكَرَاهَةِ النَّذْرِ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ ، ثُمَّ حَكَى عَنِ التِّرْمِذِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ كَرِهُوا النَّذْرَ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : مَعْنَى الْكَرَاهَةِ فِي النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ , وَإِنْ نَذَرَ الرَّجُلُ الطَّاعَةَ فَوَفَّى بِهِ ، فَلَهُ فِيهِ أَجْرٌ ، وَيُكْرَهُ لَهُ النَّذْرُ . انْتَهَى . فَلَمْ يَنْقُلْ فِي ذَلِكَ كَلامًا عَنْ أَصْحَابِنَا ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَوَى فِي سُنَنِ حَرْمَلَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْهُ . قُلْت : وَقَدْ قَرَّرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا رَوَاهُ , وَعَلِمَهُ مِنَ الْحَدِيثِ فَهُوَ مَذْهَبُهُ وَقَائِلٌ بِهِ ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى كَرَاهَةِ النَّذْرِ ، حَكَاهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ ، وَجَزَمَ بِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ ، وَقَالَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ ، وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : لا أَنْذِرُ نَذْرًا أَبَدًا . وَاخْتَارَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ ، وَلَكِنَّهُ خِلافُ الأَوْلَى ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ هَذَا قَدْ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مَخْصُوصٌ , وَمَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ وَخِلافِ الأَوْلَى ، يَقُولُ : إنَّ الْمَكْرُوهَ مَا فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ ، وَخِلافُ الأَوْلَى مَا لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ ، وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ عُمُومٍ , فَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ . وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ : وَهُوَ أَنَّ النَّذْرَ مُسْتَحَبٌّ ، جَزَمَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ ، فَقَالُوا : إنَّهُ قُرْبَةٌ , وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ حِينَ ذَكَرَ : أَنَّ الأَصَحَّ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالنَّذْرِ عَامِدًا فِي الصَّلاةِ لا يُبْطِلُهَا ، قَالَ : لِأَنَّهُ مُنَاجَاةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَأَشْبَهَ الدُّعَاءَ . وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ : وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ نَذْرِ الْمُجَازَاةِ فَلا يُسْتَحَبُّ ، وَالنَّذْرُ الْمُبْتَدَأُ فَيُسْتَحَبُّ ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ فِي الْوَكَالَةِ ، فَقَالَ : أَمَّا كَوْنُهُ قُرْبَةً فَلا شَكَّ فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا ، فَلا نَقُولُ : إنَّهُ قُرْبَةٌ ، بَلْ قَدْ يُقَالُ : بِالْكَرَاهَةِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ : وَفِي كَرَاهَةِ النَّذْرِ إشْكَالٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ ، فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ تَقْتَضِي أَنَّ وَسِيلَةَ الطَّاعَةِ طَاعَةٌ ، وَوَسِيلَةَ الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ , وَيَعْظُمُ قُبْحُ الْوَسِيلَةِ بِحَسَبِ عِظَمِ الْمَفْسَدَةِ , وَكَذَلِكَ تَعْظُمُ فَضِيلَةُ الْوَسِيلَةِ بِحَسَبِ عِظَمِ الْمَصْلَحَةِ , وَلَمَّا كَانَ وَسِيلَةً إلَى الْتِزَامِ قُرْبَةٍ لَزِمَ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً ، إلا أَنَّ ظَاهِرَ إطْلاقِ الْحَدِيثِ دَلَّ عَلَى خِلافِهِ , وَاتِّبَاعُ الْمَنْصُوصِ أَوْلَى . انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا بَابٌ غَرِيبٌ مِنَ الْعِلْمِ ، وَهُوَ أَنْ يُنْهَى عَنِ الشَّيْءِ أَنْ يُفْعَلَ حَتَّى إذَا فُعِلَ وَقَعَ وَاجِبًا . السَّابِعَةُ : أَجَابَ الْقَائِلُونَ بِاسْتِحْبَابِ النَّذْرِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا : مَا قَالَهُ ابْنُ الأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ تَأْكِيدٌ لِأَمْرِهِ وَتَحْذِيرٌ عَنِ التَّهَاوُنِ بِهِ بَعْدَ إيجَابِهِ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الزَّجْرَ عَنْهُ حَتَّى لا يُفْعَلَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ إبْطَالُ حُكْمِهِ وَإِسْقَاطُ لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ ، إذْ كَانَ بِالنَّهْيِ يَصِيرُ مَعْصِيَةً فَلا يَلْزَمُ ، قَالَ : وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لا يَجُرُّ لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ نَفْعًا ، وَلا يَصْرِفُ عَنْهُمْ ضَرًّا ، وَلا يَرُدُّ قَضَاءً ، فَقَالَ : لا تَنْذِرُوا عَلَى أَنَّكُمْ تُدْرِكُونَ بِالنَّذْرِ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ ، أَوْ تَصْرِفُونَ بِهِ عَنْكُمْ مَا جَرَى بِهِ الْقَضَاءُ عَلَيْكُمْ ، فَإِذَا نَذَرْتُمْ وَلَمْ تَعْتَقِدُوا هَذَا فَأَخْرَجُوا عَنْهُ بِالْوَفَاءِ ، فَإِنَّ الَّذِي نَذَرْتُمُوهُ لازِمٌ لَكُمْ . ثَانِيهَا : مَا أَجَابَ بِهِ الْمَازِرِيُّ ، فَقَالَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ النَّهْيِ عَنِ النَّذْرِ كَوْنَ النَّاذِرِ يَصِيرُ مُلْتَزِمًا بِهِ ، فَيَأْتِي بِهِ تَكَلُّفًا بِغَيْرِ نَشَاطٍ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ كَوْنَهُ يَأْتِي بِالْقُرْبَةِ الَّتِي الْتَزَمَهَا فِي نَذْرِهِ عَلَى صُورَةِ الْمُعَاوَضَةِ لِلأَمْرِ الَّذِي طَلَبَهُ ، فَيَنْقُصُ أَجْرُهُ وَشَأْنُ الْعِبَادَةِ أَنْ تَكُونَ مُتَمَحِّضَةً لِلَّهِ تَعَالَى . ثَالِثُهَا : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّهْيَ لِكَوْنِهِ قَدْ يَظُنُّ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّ النَّذْرَ يَرُدُّ الْقَدَرَ ، وَيَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْمُقَدَّرِ فَنَهَى عَنْهُ ، خَوْفًا مِنْ جَاهِلٍ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ ، قَالَ : وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يُؤَيِّدُ هَذَا . رَابِعُهَا : أَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ عَدَمُ الْقِيَامِ بِمَا الْتَزَمَهُ جَمْعًا بَيْنَ الأَدِلَّةِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ سورة البقرة آية 270 . يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ النَّذْرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الثَّامِنَةُ : إنْ قُلْت : دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ لا يَرُدُّ الْمُقَدَّرَ , وَقَدْ يَكُونُ النَّذْرُ بِالصَّدَقَةِ , وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ : " إنَّ الصَّدَقَةَ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ " ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : " الصَّدَقَةُ تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ " ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ . قُلْت : لَيْسَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَبْدَ يُقَدَّرُ لَهُ مِيتَةُ السُّوءِ ، فَتَدْفَعُهَا الصَّدَقَةُ ، بَلِ الأَسْبَابُ مُقَدَّرَةٌ كَمَا أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ مُقَدَّرَةٌ , فَمَنْ قُدِّرَ لَهُ مِيتَةُ السُّوءِ لا تَقْدِرُ لَهُ الصَّدَقَةُ , وَمَنْ لَمْ تُقَدَّرْ لَهُ مِيتَةُ السُّوءِ قُدِّرَتْ لَهُ الصَّدَقَةُ ، وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فِي جَوَابِهِ : النَّذْرُ لَيْسَ تَنْجِيزًا لِلصَّدَقَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَالْوَعْدِ بِهَا ، وَرُبَّمَا لا يَفِي بِالنَّذْرِ لِعَجْزٍ أَوِ احْتِرَامِ أَجْلٍ , وَعَلَى تَقْدِيرِ الْوَفَاءِ بِهِ ، فَالصَّدَقَةُ سَبَبٌ ، وَالأَسْبَابُ مُقَدَّرَةٌ أَيْضًا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : " يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا ، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ ، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا ؟ قَالَ : هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ " , فَبَيَّنَ أَنَّ الأَسْبَابَ مُقَدَّرَةٌ كَالْمُسَبَّبَاتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

الرواه :

الأسم الرتبة
أَبِي هُرَيْرَةَ

صحابي

Whoops, looks like something went wrong.