باب فرض زكاة الذهب والورق وما فيها من السنن


تفسير

رقم الحديث : 1334

حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ , عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، أَنَّهُ قَالَ " فِي الرَّجُلِ التَّاجِرِ يَبِيعُ الْعُرُوضَ بِالْعُرُوضِ , لا يَبِيعُ بِشَيْءٍ مِنَ الْعَيْنِ : أَنَّهُ لا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ عُرُوضِهِ وَلا قِيمَةَ " . قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُدِيرُ مَالَهُ لِلتِّجَارَةِ , حَتَّى يَبِيعَ بِعَيْنٍ , أَوْ بِعَيْنٍ وَعُرُوضٍ , فَإِنَّ ذَلِكَ يُقَوَّمُ عُرُوضُهُ , إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُدِيرُ لِلتِّجَارَةِ , وَيُحْصِي الْعَيْنَ , وَيُخْرِجُ زَكَاةَ ذَلِكَ كُلِّهِ , فَأَمَّا إِذَا بَاعَ الْعُرُوضَ بِالْعُرُوضِ فَإِنَّمَا هُوَ كَهَيْئَةِ رَجُلٍ أَقَرَّ عُرُوضَهُ سَنَةً أَوْ سِنِينًا , فَهَذَا لا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَلا قِيمَةَ حَتَّى يَبِيعَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الْفِقْهِ : أَنْ لا زَكَاةَ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ , وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِيهَا مِنْ أوجِبِهَا بِالتَّقْوِيمِ . قَالَ : وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَالٍ الزَّكَاةُ فِي نَفْسِهِ , وَالْقِيمَةُ سِوَى الْمَتَاعِ , فَأَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَنْهُ لِهَذَا الْمَعْنَى وَهَذَا عِنْدَنَا خَطَأٌ فِي التَّأْوِيلِ ، لأَنَّا قَدْ وَجَدْنَا السُّنَّةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ , أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ الْحَقُّ فِي الْمَالِ , ثُمَّ يُحَوَّلُ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّا يَكُونُ عَطَاؤُهُ أَيْسَرَ عَلَى مُعْطِيهِ مِنَ الأَصْلِ ، وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُعَاذٍ بِالْيَمَنِ فِي الْجِزْيَةِ : " أَنَّ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلُهُ مِنَ الْمَعَافِرِ " . فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُرُوضَ مَكَانَ الْعَيْنِ ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ : " أَنَّ عَلَيْهِمْ أَلْفَيْ حُلَّةٍ فِي كُلِّ عَامٍ , أَوْ عَدْلُهَا مِنَ الأَوْرَاقِ , فَأَخَذَ الْعَيْنَ مَكَانَ الْعَرَضِ ، وَكَانَ عُمَرُ يَأْخُذُ الإِبِلَ مِنَ الْجِزْيَةِ , وَإِنَّمَا أَصْلُهَا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ ، وَأَخَذَ عَلِيٌّ الإِبِرَ وَالْمَسَالَ وَالْحِبَالَ مِنَ الْجِزْيَةِ ، وَقَدْ رَوَى مُعَاذٌ فِي الصَّدَقَةِ نَفْسِهَا , أَنَّهُ أَخَذَ مَكَانَهَا الْعُرُوضَ , وَذَلِكَ قَوْلُهُ : ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الصَّدَقَةِ , فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَأَنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ امْرَأَتَهُ ، قَالَتْ لَهُ : إِنَّ لِي طَوْقًا فِيهِ عِشْرُونَ دِينَارًا . قَالَ : أَدِّي عَنْهُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : فَكُلُّ هَذِهِ الأَشْيَاءِ أُخِذَتْ فِيهَا حُقُوقٌ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ تِلْكَ الْحُقُوقُ ، فَلَمْ يَدْعُهُمْ ذَلِكَ إِلَى إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ ، لأَنَّهُ حَقٌّ لازِمٌ , لا يُزِيلُهُ شَيْءٌ ، وَلَكِنَّهُمْ قَدَرُوا ذَلِكَ الْمَالَ بِغَيْرِهِ , إِذَا كَانَ أَيْسَرَ عَلَى مَنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ، فَكَذَلِكَ أَمْوَالُ التِّجَارَةِ , إِنَّمَا كَانَ الأَصْلُ فِيهَا أَنْ تُؤْخَذَ الزَّكَاةُ مِنْهَا أَنْفَسِهَا , فَكَانَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَرَرٌ مِنَ الْقَطْعِ وَالتَّبْعِيضِ ، فَكَذَلِكَ تَرَخَصُوا فِي الْقِيمَةِ , وَلَوْ أَنَّ رَجُلا وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي تِجَارَتِهِ , فَقَوَّمَ مَتَاعَهُ فَبَلَغَتْ زَكَاتُهُ بِقِيمَةِ ثَوْبٍ نَامٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ مَمْلُوكٍ , فَأَخْرَجَهُ بِعَيْنِهِ , فَجَعَلَهُ زَكَاةَ مَالِهِ , كَانَ عِنْدَنَا مُحْسِنًا مُؤَدِّيًا لِلزَّكَاةِ , وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ قِيمَةً مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، فَعَلَى هَذَا أَمْوَالُ التِّجَارَةِ عِنْدَنَا ، وَعَلَيْهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ : أَنَّ الزَّكَاةَ فَرْضٌ وَاجِبٌ فِيهَا ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الآخَرُ , فَلَيْسَ مِنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَنَا , وَإِنَّمَا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي الْعُرُوضِ وَالرَّقِيقِ وَغَيْرِهَا , إِذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ , وَسَقَطَ عَنْهَا إِذَا كَانَتْ لِغَيْرِهَا ، لأَنَّ الرَّقِيقَ وَالْعُرُوضَ إِنَّمَا عُفِيَ عَنْهَا فِي السُّنَّةِ إِذَا كَانَتْ لِلاسْتِمْتَاعِ وَالانْتِفَاعِ بِهَا ، وَلِهَذَا أَسْقَطَ الْمُسْلِمُونَ الزَّكَاةَ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْعَوَامِلِ , فَأَمَّا أَمْوَالُ التِّجَارَةِ فَإِنَّمَا هِيَ لِلنَّمَاءِ وَطَلَبِ الْفَضْلِ , فَهِيَ فِي هَذِهِ الْحَالِ تُشْبِهُ سَائِمَةَ الْمَوَاشِي الَّتِي يُطْلَبُ نَسْلُهَا وَزِيَادَتُهَا , فَوَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ لِذَلِكَ أَلا تَرَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُزَكَّى عَلَى سُنَّتِهَا ؟ فَزَكَاةُ التِّجَارَاتِ عَلَى الْقِيَمِ , وَزَكَاةُ الْمَوَاشِي عَلَى الْفَرَائِضِ , فَاجْتَمَعَا جَمِيعًا فِي الأَصْلِ عَلَى وجُوبِ الزَّكَاةِ , ثُمَّ رَجَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي الْفَرْعِ إِلَى سُنَّتِهَا ، فَهَذَا مَا فِي زَكَاةِ التِّجَارَاتِ إِذَا كَانَتْ أَعْيَانُهَا حَاضِرَةً عِنْدَ أَهْلِهَا , فَإِذَا كَانَ مَعَ هَذَا دُيُونٌ , فَإِنَّ فِي زَكَاةِ الدَّيْنِ إِذَا كَانَ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِ تِجَارَةٍ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ مِنَ الْفُتْيَا , تَكَلَّمَ بِهَا السَّلَفُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا : فَأَحَدُهَا : أَنْ يُعَجِّلَ زَكَاةَ الدَّيْنِ مَعَ الْمَالِ الْحَاضِرِ , إِذَا كَانَ عَلَى الأَمْلِيَاءِ ، وَالثَّانِي : أَنْ يُؤَخِّرَ زَكَاتَهُ إِذَا كَانَ غَيْرَ مَرجُوٍّ حَتَّى يَقْبِضَ , ثُمَّ يُزَكِّي بَعْدَ الْقَبْضِ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ ، وَالثَّالِثُ : أَنْ لا يُزَكِّيَ إِذَا قَبَضَ , وَإِنْ أَتَتْ عَلَيْهِ سِنُونَ إِلا زَكَاةً وَاحِدَةً ، وَالرَّابِعُ : أَنْ تَجِبَ زَكَاتُهُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ , وَتَسْقُطُ عَنْ رَبِّهِ الْمَالِكِ لَهُ ، وَالْخَامِسُ : إِسْقَاطُ الزَّكَاةِ عَنْهُ الْبَتَّةَ , فَلا تَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا , وَإِنْ كَانَ عَلَى ثِقَةٍ مَلِيءٍ .

الرواه :

الأسم الرتبة

Whoops, looks like something went wrong.